هل تعلّمنا ألعاب «الفيديو» ما تعجز عنه مقاعد الدراسة؟

ما الذي يمكنُ أنْ نتعلمهُ منْ لُعبة؟ سؤالٌ يبدو بسيطا، لكنهُ يخفي تحتهُ افتراضا عميقا: أنَ التعلمَ لا يحدثُ إلا في الأماكنِ التي صممتْ له. لكنَ الحياةَ كما تعلمنا هذهِ الألعاب لا تعترفُ بهذا التصنيف.

لَم يَمنعْنِي عدم تجْربَتي لِلُّعْبة «فايْنل فَانتِسي 7» (Final Fantasy VII) حِين صُدورِهَا على «بِلايسْتيشن 1» مِن الاسْتمْتاع بِلعبِهَا على «بِلايسْتيشن 5»، بل وحصْد اَلعدِيد مِن الفوائد اَلتِي اِرْغب فِي نقْلهَا لَكُم! وَعلَى الرَّغْم مِمَّا يَبدُوا عليْه الأمْر مِن غرابَة — اِذ لِم أَسعَى أبدًا لِإسْتخدام نَصائِح حَياتِية مِن «لِعبة»! — فَهذَا هُو مَا حدث بِالْفعْل! .

وَلعَل مِن الأنْسب — تيمُّنًا بِروح اللُّعْبة نفْسهَا — أن نَبدَأ مِن البداية.

صورة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي
صورة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي

«مع كثرة ما يُرْوَى، يحار المَرْءُ من أين يبدأ، ومع كل ما رأيناه وسمعناه وخَالَجَ وِجْدَانَنَا، لعل من الأفضل أن نبدأ من البِدَاية»؛ هكذا اسْتَهَلَّتْ لعبة «فاينل فانتسي 7: المِيلاد الجديد» (Final Fantasy VII Rebirth) أحداثها، مُسْتَعْرِضَةً ما سَلَفَ في الجزء السابق «فاينل فانتسي 7» (Final Fantasy VII) بنسختها المُعَاد إنتاجها، والمُسْتَوْحَاة من اللعبة الأصلية الصادرة عام 1997م.

ولكن ماذا عَسَانَا أن نَسْتَلْهِمَ من «فاينل فانتسي» وشبيهاتها من الألعاب؟ وهل في مَقْدُور العوالم الاِفْتِرَاضِيَّة أن تترك أثرًا إيجابيًا ملموسًا في جوانب حياتنا المختلفة، كالعلاقات الاِجْتِمَاعِيَّة، والصحة، والعمل؟

الإجابة، وببساطة: نعم!.

التخطيط بوصفه ركيزةً للنجاح

يُعَدُّ التخطيطُ من أهمِّ المهاراتِ الحياتيةِ التي نحتاجُ إليها، وهذا ما تُجسِّدهُ تلك الألعاب بوضوح. ستلاحظُ احتياجَكَ لهذه المهارةِ في اللعبةِ كما هو الحالُ في الحياة؛ فعندما تستمرُّ باللعبِ/العَيْشِ دون أيِّ تخطيطٍ ستجدُ نفسكَ وفي مرحلةٍ ما غيرَ قادرٍ على إكمالِ الطريقِ والقِيامِ بالمَهامِّ المطلوبةِ، إما لأنكَ لا تملكُ المهاراتِ أو الأدواتِ المناسبةَ أو لأنكَ لا تملكُ الفريقَ المناسبَ. بينما إنْ خَطَّطْتَ وطوَّرْتَ مهاراتِكَ وأدواتِكَ وفَهِمْتَ حدودَها لنفسكَ ولأعضاءِ فريقكَ فستستمرُّ في تحقيقِ ما تَصْبُو إليهِ والمطلوبِ منكَ وإنجازِ المَهامِّ ومواجهةِ التحدياتِ باستمتاعٍ أكثرَ.

قناعاتٌ مهنيةٌ من قلبِ المغامرةِ

«ليست العِبْرَةُ بما تُجِيدُ فحسب، بل بمن تَعْرِفُهُ أيضاً»؛ كانت هذه أول نصيحةٍ مهنيةٍ وجهتها «تيفا» لِبَطَلِ اللعبة «كلاود». إن شبكةَ العلاقاتِ والسمعةِ الطيبةِ التي يبنيها المَرْءُ هي من أهم مفاتيحِ النجاحِ لأي باحثٍ عن العملِ. يَتَجَلَّى ذلك في اللعبة حينما سَخَّرَ الفريقُ مهاراتِ «كلاود» وسَوَّقُوا لها لدى أصحابِ العملِ والسكان الذين اسْتَعَانُوا بخدماتهِ لاحقاً. وللأمانةِ، أودُّ تَهْذِيبَ هذه النصيحةِ لتصبح: «العِبْرَةُ ليست بما تُجِيدُ فحسب، بل بمن يَعْرِفُكَ وماذا يَعْرِفُ عنك»، لتكون قاعدةً أَشْمَلَ وأقربَ للصوابِ.

القيادة كقراءة مستمرة لذاتك وفريقك

يقتضي النجاحُ في القيادةِ توازنًا دقيقًا وقراءةً مستمرةً؛ فالقائدُ الفطنُ هو من يعتني بفريقهِ دون أن يغفلَ عن ذاتهِ لتحقيقِ الغاياتِ الكبرى. ستعلمكَ الألعابُ مثلَ «فاينل فانتسي» و «الطريق إلى أورقن» و «داينستي ووريور الأصل» ونظائِرُها بأن عليكَ الاهتمام بالحالةِ النفسيّةِ و الصحيّةِ لكَ و لفريقكَ وليس فقط تطويرُ المهاراتِ والقوةِ. فهناكَ لحظاتٌ تحتاجُ فيها إلى رفعِ الحماسِ، وأخرى ستحتاجُ لتهدئةِ الاندفاعِ. فالحماسةُ قد تزيدُ القوةَ، لكنّها قد تسرقُ الدقة. وهنا، تتعلمُ أن القيادةَ ليست توجيهًا فحسب، بل قراءةً مستمرةً. ستتعلم متى و كيفَ تحفز ذاتكَ و فريقكَ ومتى تحتوي الموقفَ و تبطئ الوتيرة.

المحاولةُ مجددًا بعد الفشل

اؤمنُ أنَ الخوفَ من الفشلِ من اكبرِ معوقاتِ النجاح. ستتعلّمُ من الألعاب بأنَ عليكَ التجرِبةَ و أنَ تلكَ التجارِبَ ليست نهايةَ العالم 🌍، بل بعضُها مفيدٌ جداً و ستتعلمُ منه الكثير. فعندَ رؤيتكَ بأن مستوى اللاعبين يزداد حتى عند خسارة بعضهم، ستتعلمُ أنَ هذا بالضبط ما سيحدثُ في حياتكَ اليومية. بالذات عند تجربةِ شيءٍ جديدٍ ليهوى لاعبكَ و يموت فتضحك و تعرفَ بأنَ كلَّ ما عليكَ فِعْلَهُ هو إعادةُ المحاولة 🤪. عليكَ فقط أن تتعلمَ متى تتأنى في القرارت و متى عليكَ الحزمُ فيها؟ (لا أفضل ربط المقالات ببعضها لان ذلك يخلق أحيانًا قائمة غير منتهية من التبيويبات ولكن هذا من مقالاتي الجميلة التي آمل بان لا تسبب لك قلق إكمالها وتسمتع و تستفيد من قراءتها)

التوازن:

رَسخَت تَّجْربة اللعب فِي ذِهْنِي أَهَميَّة التَّوازن بَيْن بِنَاء المهارات والتَّعلُّم وبيْن والتَّطْبيق العمليِّ. فَقِي الألْعاب كمَا هُو فِي الحياة، مِن اَلممْكِن أن تُهْدِر اَلكثِير مِن الوقْتِ فِي صَقْل المهارات و التَّعَلُّم دُون الخوْضِ فِي تَجارِب عمليَّة. يُذَكرنِي هذَا بِبَيت الشِّعْر المنْسوبِ لِلشَّاعر العراقيِّ «مَعرُوف الرَّصافيّ» عن بِنَاء المدارس حين قال:

لََا تجْعلوا العلْم فِيهَا كُلَّ غَايتِكم … بل عَلمُوا النَّشْأ عِلْمًا يَنتِج العمْلَا

علينا ان نوازن بين العلم و العمل لكي لا تصبح اللعبة أو الحياة رتيبة و سهلة و يبقى جانب المتعة و التحدي 💪 ولكي لا نقع في فخ التأهيل الزائد عن اللزوم وما يسموه اصدقائنا في الموارد البشرية overqualified.


الألعاب عالم جميل سيضيف الكثير من الترفيه لحياتك و سيضيف العديد من المهارات الحياتية التي سترفع درجة الوعي لديك و تهيئك لتكون أفضل في حياتك وعملك أيًّا كان. و لأنني أعلم بأن تجربة الألعاب تشبه تجربة قراءة الكتب، فإن كل شخص سيخرج منها بفوائد تلامس واقعه الخاص وتصقله بطريقته هو.

كتبت مسودة هذا المقال في باص ليب و بحب من الرياض

زهير يكتب ✍️ …
زهير يكتب ✍️ …

مدونة شخصية يكتبها زهير، في مساحات تمتد بين التقنية والذات، وبين الألعاب والحياة. هنا يتقاطع المنطق بالحلم، والفكرة بالتجربة، والنص اليومي بالتأمل العميق. "زهير يكتب" ليست فقط ما كُتب، بل كيف تُرى الحياة بعيون مفعمة بالفضول.